أحمد بن محمد المقري التلمساني

195

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ المعتمد يحمل في السفين من الأندلس إلى العدوة ، وشعر له في ذلك وفي هذا يقول ابن اللبانة ] وقال الفتح أيضا « 1 » : ولما نقل المعتمد من بلاده ، وأعرى من طارفه وتلاده ، وحمل في السفين ، وأحلّ في العدوة محلّ الدفين ، تندبه منابره وأعواده ، ولا يدنو منه زوّاره ولا عوّاده ، بقي أسفا تتصعد زفراته ، وتطرد اطراد المذانب « 2 » عبراته ، لا يخلو بمؤانس ، ولا يرى إلا عرينا بدلا من تلك المكانس « 3 » ، ولما لم يجد سلوا ، ولم يؤمّل دنوا ، ولم ير وجه مسرة مجلوّا ، تذكر منازله فشاقته ، وتصور بهجتها فراقته ، وتخيل استيحاش أوطانه ، وإجهاش قصره إلى قطّانه ، وإظلام جوه من أقماره ، وخلوه من حرّاسه وسمّاره ، فقال : [ البسيط ] بكى المبارك في إثر ابن عباّد * بكى على إثر غزلان وآساد بكت ثرياه لاغمّت كواكبها * بمثل نوء الثريّا الرّائح الغادي بكى الوحيد ، بكى الزاهي وقبته * والنهر والتاج ، كل ذله بادي ماء السماء على أفيائه درر * يا لجّة البحر دومي ذات إزباد « 4 » وفي ذلك يقول ابن اللبانة : [ البسيط ] أستودع اللّه أرضا عندما وضحت * بشائر الصّبح فيها بدّلت حلكا « 5 » كان المؤيّد بستانا بساحتها * يجني النعيم وفي عليائها فلكا في أمره لملوك الدّهر معتبر * فليس يغترّ ذو ملك بما ملكا نبكيه من جبل خرّت قواعده * فكلّ من كان في بطحائه هلكا [ القصر الزاهي من قصور المعتمد ، وشعر له يشتاقه فيه وهو أسير بسجن أغمات ] وكان القصر « 6 » الزاهي من أجمل المواضع لديه وأبهاها ، وأحبها إليه وأشهاها ، لإطلاله على النهر ، وإشرافه على القصر ، وجماله في العيون ، واشتماله بالزهر والزيتون « 7 » ، وكان له به من الطرب ، والعيش المزري بحلاوة الضّرب « 8 » ، ما لم يكن بحلب لبني حمدان ، ولا لسيف بن ذي يزن في رأس غمدان ، وكان كثيرا ما يدير به راحه ، ويجعل فيه انشراحه ، فلما

--> ( 1 ) القلائد ص 3 . ( 2 ) المذانب : الدلاء . ( 3 ) العرين : مأوى السباع . والمكانس : مأوى الظباء . ( 4 ) في ه « ماء السماء على أبنائه درر » . ( 5 ) الحلك : الظلمة . ( 6 ) في ه « الحصن الزاهي » وفي القلائد « الحصن الزاهر » . ( 7 ) في القلائد « بالشجر والزيتون » . ( 8 ) الضّرب - بالتحريك : العسل الأبيض الغليظ .